كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مقابلة هاتفية مع شبكة «فوكس نيوز» صباح 3 نوفمبر، عن التوصل إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقضي بوقف تقديم المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل، البالغة 3.8 مليار دولار، اعتبارًا من نهاية عام 2026.
وقال ترامب: «اتفقنا بالفعل على أننا لن ندفع لإسرائيل بحلول نهاية هذا العام، لكننا سنساعدها إذا احتاجت إلى ذلك»، مضيفًا أن الاتفاق جرى التوصل إليه قبل أشهر.
ويحلل الدكتور بينوي كامبمارك، في مقاله بموقع «ميدل إيست مونيتور»، خلفيات هذا الإعلان وتداعياته، في ضوء التحولات السياسية الأمريكية والنقاشات الإسرائيلية المتزايدة بشأن الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي.
تعود ترتيبات التمويل الحالية إلى تعهد قطعته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2016 بتقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل على مدى عشر سنوات، من 2019 إلى 2028، بإجمالي 38 مليار دولار. وبموجب مذكرة التفاهم، تقدم واشنطن سنويًا 3.3 مليار دولار في صورة تمويل للمشتريات العسكرية الأجنبية، إلى جانب 500 مليون دولار لتمويل أنظمة الدفاع الصاروخي. وحلت هذه المذكرة محل اتفاق سابق وُقع عام 2007 وانتهى العمل به في 2018، وبلغت قيمته 30 مليار دولار.
وتشير تقديرات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن إسرائيل تصدرت قائمة الدول الأكثر حصولًا على المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية منذ تأسيسها، إذ تلقت مساعدات بلغت قيمتها نحو 300 مليار دولار، وفقًا للقيمة المعدلة وفق التضخم، خلال الفترة بين 1948 و2024.
مذكرة أوباما وامتيازات التمويل العسكري الإسرائيلي
أوضح بيان حقائق أصدره المكتب الصحفي للبيت الأبيض في سبتمبر 2016 أن مذكرة التفاهم الجديدة تتيح لإسرائيل تحديث الجزء الأكبر من أسطولها من الطائرات المقاتلة، بما يشمل شراء مزيد من مقاتلات «إف-35»، وتعزيز قدراتها في مجال الدفاع الصاروخي، واقتناء تجهيزات دفاعية أخرى تتناسب مع طبيعة التهديدات التي تواجهها.
لكن الترتيبات الجديدة استهدفت أيضًا معالجة ما وصفته واشنطن بـ«اختلالين» في نظام التمويل السابق، أولهما السماح لإسرائيل بإنفاق ما يصل إلى 26.3% من مخصصاتها السنوية للتمويل العسكري على منتجات غير أمريكية، وثانيهما استخدام أموال التمويل العسكري لشراء الوقود.
وأشار البيان إلى أن الترتيبات الجديدة ستتيح لإسرائيل إنفاق ما يصل إلى 1.2 مليار دولار سنويًا على القدرات العسكرية المتقدمة التي لا تستطيع توفيرها سوى الولايات المتحدة. وقد مثل ذلك مكسبًا كبيرًا لشركات تصنيع الأسلحة الأمريكية.
وأثارت مقابلة ترامب مع «فوكس نيوز» تكهنات بشأن دوافع إعلانه، وما إذا كان مرتبطًا بانتخابات التجديد النصفي التي خاضها الجمهوريون وسط مخاطر خسارة مقاعدهم بفارق كبير. فمذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين تنص على استمرار التمويل حتى عام 2028، في حين شهدت الحملة الانتخابية الأخيرة صعود عدد من المرشحين المنتقدين بشدة للسياسات الإسرائيلية، وكان الديمقراطي عبد السيد، الذي خاض الانتخابات في ولاية ميشيجان، من أبرزهم.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن الدعوات المطالبة بزيادة اعتماد إسرائيل على قدراتها الذاتية والتخلص تدريجيًا من الأموال التي يوفرها لها المجمع الصناعي العسكري الأمريكي ليست جديدة. فقد أعادت هجمات السابع من أكتوبر 2023، التي قادتها حركة حماس، وما أعقبها من رد إسرائيلي دموي في غزة، تنشيط النقاش داخل مراكز الأبحاث والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن مخاطر الاعتماد على الدعم الأمريكي، واحتمال تحوله إلى نقطة ضعف استراتيجية.
نتنياهو يطرح الاستقلال الاقتصادي والعسكري
في سبتمبر 2025، تطرق نتنياهو علنًا إلى احتمال اضطرار إسرائيل إلى مواجهة عزلة اقتصادية متزايدة، خلال كلمة ألقاها في مؤتمر للمحاسب العام بوزارة المالية في القدس. وقال إن إسرائيل ستحتاج بصورة متزايدة إلى التكيف مع اقتصاد يتسم بخصائص الاكتفاء الذاتي.
ورغم تأكيده أنه يؤمن باقتصاد السوق الحرة ولا يحبذ مصطلح الاكتفاء الذاتي، أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن مخاوفه من احتمال تعرض الصناعات العسكرية الإسرائيلية للحظر، مشددًا على ضرورة تطوير صناعة أسلحة محلية لا تقتصر على البحث والتطوير، بل تشمل أيضًا القدرة على إنتاج الاحتياجات العسكرية.
واستحضر نتنياهو تشبيهًا تاريخيًا غير مكتمل، حين قال إن إسرائيل ينبغي أن تصبح «أثينا وإسبرطة عظمى». وأكد أن بلاده لا تملك خيارًا آخر، في ظل ما وصفه بمحاولات عزلها خلال السنوات المقبلة.
وربط نتنياهو هذه المحاولات بالتحولات الديموغرافية في أوروبا، مدعيًا أن قرارات تشجيع «الهجرة غير المحدودة» أسهمت في زيادة الحضور السكاني لما وصفه بأقلية مسلمة كبيرة ومعادية، وأن هذا الوجود ساعد على فرض قيود وتشجيع العقوبات ضد إسرائيل. وحذر من أن العقوبات الاقتصادية قد تتبعها حظائر على تصدير الأسلحة.
كما اتهم نتنياهو الصين وقطر بمحاولة التأثير على وسائل الإعلام الغربية وتوجيهها ضد إسرائيل، عبر استخدام الروبوتات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والإعلانات.
وفي مقابلة أجراها مع شبكة «سي بي إس» في مايو، أعرب نتنياهو عن رغبته في خفض التمويل العسكري الأمريكي لإسرائيل إلى الصفر، قائلًا: «لنبدأ الآن، وننفذ ذلك على مدى العقد المقبل، خلال السنوات العشر القادمة. أريد أن نبدأ الآن، ولا أريد انتظار الكونغرس المقبل».
ويشير كامبمارك إلى أن مسألة تخلي إسرائيل تدريجيًا عن الاعتماد على الأموال الأمريكية، التي تحصل عليها غالبًا دون شروط تذكر، ظهرت بوضوح في ورقة نشرها الشهر الماضي اللواء المتقاعد تامير هايمان، مدير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، بشأن التصور الجديد للأمن القومي الإسرائيلي.
تصور إسرائيلي جديد يتجاوز الاعتماد على واشنطن
يصف الكاتب الوثيقة بأنها مثيرة للقلق، ويرى أنها تعكس توجهًا ضيقًا في صياغة العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية. ففي إطار بحث هايمان عن مفهوم متطور للأمن القومي بعد السابع من أكتوبر 2023، طرح مجموعة من الأفكار التي تتمحور حول هوية وطنية لا تقبل التشكيك.
وتتضمن الوثيقة عشرة مقترحات، تعطي الأولوية للحرب باعتبارها «أمرًا تأسيسيًا»، بينما تنظر إلى السلام بوصفه «تعبيرًا عن الضعف». ويبرز المقترح الخامس في ما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إذ يرى هايمان أن العلاقة مع الولايات المتحدة تحكمها المصالح وحدها، وأن الالتزام المفرط بالقيود التي تفرضها الإدارات الأمريكية على إسرائيل يمثل خطرًا، لأن الولايات المتحدة «قوة آخذة في التراجع»، وقد تتخلى عن إسرائيل قريبًا بفعل التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها.
ويعتبر هايمان أن هذا الفتور المتبادل يمهد لتحول حتمي، وربما متوتر، في العلاقات بين البلدين. ويربط احتمال تخلي واشنطن عن إسرائيل بتأثير منظومة القيم الأمريكية التقدمية، التي يراها غير متوافقة مع الطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية.
وبناءً على ذلك، يخلص إلى أن قطع العلاقات مع الولايات المتحدة ليس أمرًا حتميًا فحسب، بل ضروري أيضًا لاستقلال إسرائيل وصمود هويتها الوطنية اليهودية.
أما المقترح العاشر، فيتناول المخاطر الاقتصادية التي أثارها نتنياهو، ويرسم تصورًا لاقتصاد عسكري قائم على الاكتفاء الذاتي. وتؤكد الوثيقة أن اقتصاد الدفاع الإسرائيلي شديد التأثر بطول سلاسل الإمداد، ولذلك ينبغي إعطاء الأولوية للإنتاج المحلي والاستثمار في قطاع التكنولوجيا الدفاعية، بما يشمل الصناعات العسكرية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، على حساب قطاعات أخرى.
كما تشدد على أهمية الأبحاث العلمية الداعمة للتكنولوجيا، لكنها تدعو إلى تطويرها بصورة مستقلة، بدلًا من الاعتماد على الأطر الدولية، مثل برنامج «هورايزون» الأوروبي.
ويرى كامبمارك أن هذه التصورات الاستراتيجية تتجاهل واقعًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في الدور الذي يؤديه المسيحيون الصهاينة في الولايات المتحدة. فهؤلاء، رغم ما يصفه الكاتب بجذور تاريخية معادية للسامية لدى بعضهم، ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها حارسًا للأراضي المقدسة، انتظارًا للمجيء الثاني للمسيح والمعركة الأخيرة في هرمجدون. ولذلك، يتوقع أن يستمر الدعم المالي والسياسي الذي يقدمونه لإسرائيل، وأن يظل تأثيرهم حاضرًا في السياسة الأمريكية.
ويخلص الكاتب إلى أن إعلان ترامب الأخير لا ينبغي اعتباره مفاجئًا، أو ربطه بالضرورة بالنشاط الانتخابي الذي أسهم في تحقيق الديمقراطيين تقدمًا كبيرًا في انتخابات التجديد النصفي وسيطرتهم على الكونغرس. فالتعاون العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل سيستمر على المستويين العقائدي والعملي، وستواصل الأسلحة الأمريكية الوصول إلى ترسانة الجيش الإسرائيلي لاستخدامها وفق أهدافه، أيًا كانت طبيعة تلك الأهداف والجهات المستهدفة.
كما أن الباب لن يُغلق أمام مزيد من مشتريات إسرائيل للمعدات العسكرية الأمريكية، وهو ما أكده ترامب نفسه، بما يشير إلى أن وقف المساعدات السنوية لا يعني بالضرورة إنهاء التعاون العسكري بين البلدين.
https://www.middleeastmonitor.com/20261107-pulling-the-funding-trump-israel-and-us-military-assistance/

